سهيلة عبد الباعث الترجمان
89
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
اللّه إنما هي علوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأنهم متقيدون بالشريعة لا يخرجون عنها إلى رأي أو قياس إلّا في النادر " « 1 » كما أنه أفرد مصنفات خاصة بالكلمات الحكمية والمصطلحات الجارية على ألسنة الصوفية تمييزا لها عن لغة العامة ، ولذلك يصرح بأن علمه المدوّن في مصنفاته ليس هو من قبيل العلم النظري ، إذ أنه لا يعتمد على الفكر والنظر ، بل علمه علم وهبي نتيجة الفيض الإلهي ، فقال في الفتوحات : " اعلم أن علومنا وعلوم أصحابنا ليست من طريق الفكر ، وإنما هي من الفيض الإلهي " « 2 » . بل يشير مؤكدا على ذلك أن ما يتلقاه من الإلهام أثناء تدوينه لمؤلفاته ليس هو من صنع الفكر أو عمله إنما هو بفعل إلهي فقال : " جميع ما كتبته وأكتبه إنما هو من إملاء إلهي وإلقاء رباني أو نفث روحاني في روع كياني ، كل ذلك لي بحكم الإرث للأنبياء والتبعية لا بحكم الاستقلال " « 3 » . وهذا ما يبين لنا أن ابن عربي في تأليفه لكتبه لم يحررها على النهج المألوف لدى الكتّاب ، ذلك لأنه لم يستطع التخلص من أثر الوحي الإلهامي الذي كان يملي عليه ما يجب عليه أن يكتبه أو لا يكتبه في مؤلفاته ، إذ أنه كان رهين ما يلقى إليه ، فلم يكن له في ذلك كبير اختيار . وقد صرّح ابن عربي بذلك مصورا لحاله في قوله : " فإن تأليفنا هذا وغيره لا يجري مجرى التآليف ، ولا نجري نحن فيه مجرى المؤلفين ، فإن كل مؤلّف إنما هو تحت اختياره . . . ونحن في تأليفنا لسنا كذلك إنما هي قلوب عاكفة على باب الحضرة الإلهية ، مراقبة لما ينفتح له الباب ، فقيرة خالية من كل علم . . . فمهما برز لها من وراء ذلك الستر أمر ما بادرت لامتثاله ، وألقته على حسب ما حدّ لها في الأمر . . . " « 4 » . ولما كان المصدر لعلومه جميعها مصدرا إليها فهو ممتلئ ثقة واعتزازا بما أنتجه من مؤلفات وذلك لقوله : " فإنه ما عندنا إلّا الشيء الحق الذي
--> ( 1 ) مقدمة على رسالة لابن عربي ، تنبيهات على علو الحقيقة المحمدية للشيخ محي الدين بن عربي ، تحقيق : عبد الرحمن حسن محمود ، عالم الفكر ، مصر ، ص 8 . ( 2 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، الكبريت الأحمر ، مصدر سابق ، ص 4 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 4 . ( 4 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 74 .